حسوكة

Frédéric Lagrange, Sorbonne-Université, en délégation auprès du CEFAS à Abu Dhabi, travaille sur la culture populaire médiatique dans la région Golfe
(http://cefas.cnrs.fr/spip.php?article177)

باريس، 13 مايو 2020

لم أكن « مِحَسْوِكا » يوما في عمري. كنت أنظر باستغراب إلى من يطيل غسل يديه إن لم يشفع له أنه جراح عالمي، وكنت أسخر بيني وبين نفسي، شأني شأن السواد الأعظم من الباحثين الاوربيين المقيمين في الخليج أمثالي، من السائحين الأسيويين الذين يرتدون كمامات في الشارع أو في وسائل النقل العام.
ثم كان ما كان وتعلمت الحَسْوَكة.

***

تكاثرت الأخبار في نهاية شهر يناير وصارت مقلقة. ولكن المنطقة لم يبدُ أنها تعير لها اهتماما كبيرا. فقط عندما سافرت إلى القاهرة لزيارة عمل قصيرة في أواسط شهر فبراير، كان في انتظار النازلين من رحلة الاتحاد فريقٌ من الممرضين الشباب يرتدون الكمامات ويشهرون في وجوهنا موازين حرارة وكأنها مسدسات؛ غير أن بشاشتهم وابتساماتهم لم تكن لتثير القلق. مررنا كلنا، وبعد هذا الاستقبال الدرامي، لم تبدُ الحياة القاهرية متأثرة بالأخبار السيئة الآتية من الشرق الأقصى. أتذكر فقط أني انزعجت من عدد السياح الصينيين الذين وقفت محشورا بينهم في طابور الجوازات وأنا عائد إلى أبو ظبي. أرسلت عبر الواتس آب إلى صديق رسالة مفادها أن المطار يعج بالصينيين، ورد علي بإيموجي الجمجمة فضحكت. أتذكر أيضا أني كنت غير مرتاح لهذا المسافر الجالس في الصف الذي أمامي مباشرة، فقد ظل يسعل باستمرار ولا يرتدي كمامة. كنت قد قرأت مقالة تشرح أن نظام تكييف الهواء في الطائرات لا يسمح بانتشار الجراثيم والفيروسات، ولكن لم يكفِ ذلك لطمأنتي تماما إذ كان الراكب آسيويا. ثم ضحكت من عنصريتي وقلت إن الخطر والخوف يكشفان ما نمضي حياتنا نجتهد في كبحه وطمسه والتستر عليه من أفكار بدائية كتلك. استسلمت لحقيقة أن الطبع يغلب التطبع، ثم حاولت ترويض الطبع والعودة إلى التطبع. وشربت كأسا ثانيا من نبيذ الاتحاد.

***

في آخر شهر فبراير كانت الحالات في الإمارات ما زالت تُعدّ على أصابع اليدين، غير أن الجار الإيراني، البعبع المعتاد، كان قد تعرض لأول انفجار للحالات في المنطقة، وشبكات التواصل في الشرق الأوسط تراوحت بين الهلع والشماتة، انشغل البعض بشتم نظام طهران لجلبه بل تصديره الوباء، والبعض الآخر أدرك أن كثافة العلاقات الاقتصادية مع مارد الشمال تقتضي أن الفيروس آت لا محالة. فأخذت أتورع من مخالطة الإيرانيين ومن عاد مؤخرا من إيران. ثم جاءت قضية العثور على حالتين وسط أعضاء فريق سباق دراجات في جزيرة ياس. أتذكر أني كنت أسوق سيارتي على الطريق السريع المؤدي إلى دبي عن طريق ياس، وأني ضغطت دواسة الوقود بشكل جنوني وأنا أمرّ بالمنطقة، وكأن محل إكيا أصبح دائرة الجحيم السابعة. وفي الوقت نفسه، كنت أعجَب لقسوة العزل المفروض على الفريق بأكمله. كانت الصحف الأوربية تردد أقوالا لمتسابقين يشكون حظهم العاثر وشعورهم بأنهم محتجزون ويجب الإفراج عنهم فورا، وكان خطابهم يُشْتمّ منه الكثير من العنصرية، وكأن هؤلاء أجبروا على التواجد في الإمارات. فحلّ الإيطالي محل الصيني والإيراني في قائمة توجساتي، أو ربما أضيف إليها.

في الأسبوع الأول من مارس، أخذت موجة الخوف تجتاح المنطقة. ظهرت لفظة « جائحة » التي كانت قد وضعت على رف من هذه الرفرف العلوية للغة العربية، تلك الرفوف التي لا يُنزل منها عنصرٌ إلا للضرورة القصوى أو حدث جلل (كلفظة « فلول » التي ملأت الأفواه سنة ٢٠١١ ويبدو أنها عادت إلى رفها). كان الطبع يغلب التطبع مرة أخرى والانطباع السائد في أوساط الجامعيين الأجانب – سريعي التعالي مثلي – كان أن السلطات الخليجية متسرعة في رد فعلها في الوقت الذي يجب فيه التروي، ومتخبطة في اتخاذ القرار، ومفرطة الحذر، باختصار تعمل من ما لا يزال حبة قبة قبل أن يقبّ. وفي الوقت نفسه، كنت أعتبر الذهاب إلى المطعم الإيطالي إنجازا يقف على خط التماس بين البطولة والتهور الأخرق.

***

حين أعلمتنا الوزارة أنه تقرر إلغاء كل الندوات في الجامعات استغربنا القرار. كنت عائدا للتو من « دار الحي » ، والمولات الكبيرة لا زالت تستقبل العملاء من المواطنين والمقيمين، ناهيك عن أفواج السائحين التي لم يخف تدفقها. القنطرة التي تفصل بين مول دبي وسوق البحار كانت تكتظّ كعادتها بالباتان والأفغان يتدافعون بالمرافق من أجل ضمان مساحة كافية تسمح لهم برفع الذراع والتقاط صورة سيلفي بالشلوار قميز أمام البرج الساخر من حشدنا الشبيه بيوم الحشر. كنت قد خضت المعركة، مثلهم تماما، وصورت نفسي ثم حمدت ربي على أن أحدا لم يعطس.

أصبحت، من غروري، خبيرا في علم الفيروسات وانتشارها. كم كنت ساذجا. كنت أعلم أحسن من الجميع. لم أركز على ما في قرار الوزارة من حصافة محتملة، بل على تناقضات السياسة الحكومية، وكأن التناقضات حكرٌ على « الخلايجة ».
ثم اختفى الطلاب، بين ليلة وضحاها. لم تشأ وزارة التعليم الإماراتية إغلاق الجامعات بقرار مباشر بل قررت تبكير عطلة الربيع أسبوعين. هذه الحركة أقنعتنا بأن الجامعة لن تفتح بعد العطلة بل قد تظل مغلقة حتى رمضان، فإن كان الأمر كذلك فقل على العام الدراسي السلام. وهكذا كان. أقفرت ردهات الجامعة وأروقتها وخلت من الطلاب ومن المدرسين، ولم يبق إلا الإداريون والباحثون. كنا نتندر بالوضع ونقارن الحرم الجامعي بالمدن المقفرة في مسلسلات الرعب الأمريكية. كان المزاح محاولة غير مقنعة لمداراة شعور عام بالاكتئاب الخفيف أخذ يزحف إلى عقول الكل. ساعة نضحك من رسالة « بانيك توتال نسوان بيروت » التي انتشرت كالنار في الهشيم من المغرب إلى سلطنة عمان، وساعة نفتح أفواهنا في وجوم ثم يصيبنا الهلع حين نكتشف مشدوهين أن أجهزة موزعة للجيل الكحلي المعقم ظهرت بشكل سحري على جدران ممرات الجامعة. أخذت أفرك يدي بالجيل عدة مرات في يوم، بسبب أو بدون سبب، كتعويذة تُبعد الجن الصيني الشرير.

ظهور الجيل المعقم في الحياة اليومية في أبو ظبي كانت بداية التيقن بأن شيئا عظيما حدث، شيء سيغير مجرى حياتنا. موزعات المعقم نبتت أمام المصاعد، في المولات، في المحلات. الكمامات صارت في نفس نُدرة العود الأصلي وبالسعرنفسه. أخذنا نتجنب لمس الأشياء مباشرة، زر المصعد نشغله بالمفتاح، بالكارت. أتذكر أني تجنبت المرور أمام مجمرعة من سكان بنايتي لمجرد أني سمعتهم يتحدثون بالإيطالية، فعلمت أنهم المغضوب عليهم وأن لغتهم لغة أهل النار. ذهبت إلى موعد عمل عند أحد خبراء الشعر النبطي ومدّ لي مساعده يده. ترددت وقلت له ضاحكا « ينصحوننا بعدم المصافحة ولكن عاداتنا راسخة »، فمددت يدي وصافحته وهو اعتذر ومد لي زجاجة الجيل المعقم، الذي استُبدلت به القهوة العربية والتمر. لا سلام « بالخشم »، على الطريقة التقليدية، ولا باليد. لم أعرف هل أخطأت لأني أشعرته بالحرج أم أخطأت لأني صافحته. شردت دقيقة لا أسمع ما يقول أتأمل وضعا أكون فيه مخطئا مهما فعلت.

***

كان علي الذهاب إلى باريس في آخر مارس ورأيت أن أبكر الرحلة. خشيت من إلغاء الرحلات الجوية الذي رأيته محتما. كانت الإصابات قد أخذت تتزايد في فرنسا، وشعرت أنه إن لم أعد الآن فسأبقى محبوسا في أبو ظبي ولا سبيل إلى العودة إلى أهلي في الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد. بدأت مرحلة التوجس. كانت دول المنطقة قد عودتني على اتخاذ القرارات بدون سابق إنذار وتطبيقها في الحال دون إعطاء أي مُهلة. اتصلت بإير فرانس وحجزت مقعدا في يوم ١٧ مارس من دبي إلى باريس بدلا من آخر الشهر، وارتحت قليلا. إن كان مكتوبا علي أن أصاب بالفيروس فلأصب إذن وسط الأهل والأحباب. كانت أفكارٌ ميلودرامية تتوالى في ذهني. ثم تحولت الميلودراما إلى هَوَس ورعب تامَّين. كان تعداد الوفيات يزداد في فرنسا بشكل يجعل من استمرار الطيران بين دبي وباريس أمرا غير مفهوم. كنت أشعر بأني لو مكان السلطات الإماراتية كنت أغلقت الحدود للوافدين من أوربا. نزلت إلى البقالة للتسوق وسألتني البائعة الفيليبينية من أين أنا. حين قلت لها أني من فرنسا. تراجعت تلقائيا نصف خطوة إلى الوراء وعدّلت الكمامة على فمها، ثم تحسرت على حالتي وحالة بلادي.
أصبحت أنا الصيني، إذن. أصبحت الإيراني، وأصبحت الإيطالي. كنت من يجب تجنبه وعدم الصعود في المصعد بصحبته إن أمكن الأمر. كنت أنا ممثل الدولة التي أساءت التدابير الوقائية وصارت موبوءة.

أسمع عدّا تنازليا صنيع وهمي يوشك أن يحول بيني وبين الأهل. بلغ الهوس مداه حين تخيلت، في مساء يوم ١٣ مارس، أن الوضع لن يمهلني حتى يوم ١٧. تيقنت أن الرحلة ستُلغى. أقنعت نفسي أنه لا بد من أن أفلت، أن أهرب قبل انغلاق فكّيْ المصيدة على رجلي. أردت أن أرحل الآن. فورا. عاودت الاتصال بإير فرانس في حالة تتاخم الهستيريا. كان الخط مشغولا والانتظار طويلا. عاودت الاتصال مرات ومرات، وأنا أحدق في السقف. شعرت بالعجز واليأس. بعد ثلاث ساعات، أسعفني الحظ وردت علي موظفة من الشركة. بكرت الحجز إلى يوم ١٥ مارس في الساعة الواحدة فجرا. نمت مطمئنا أني سأعود.

***

الثاني عشر من مايو. لست مطمئنا أني سأعود. لا أدرى متى سأعود وأريد أن أعود. أفلتّ من أن أكون محبوسا هناك وأصبحت محبوسا هنا. عدت إلى بيتي وتركت بيتي. وجدت أهلي وأحبابي وخذلت زملائي وأحبابي. اشتاق إلى « الرمسة » بيد أن البعد يرمسها في ذاكرتي. التهمت رواية سيئة للغاية عنوانها « أمطرتِ غيم دبي »، ورغم أن الكتاب « يُقرأ من عنوانه » فقد استهواني فيه أن حواره بلهجة دبي وأنه فتح لي أخيرا عالم تجمعات الشباب الإماراتي، الذي غالبا ما يتحاشى الاختلاط مع الأجانب، فظللت « أزنّ » على أصدقائي المواطنين، يوما أسألهم ما معنى « البشكارة » (الخادمة) ويوما ما معنى شخص دفشة (غليظ) وأتحرى ما معنى « أتحرى » (أظنّ)، ثم أهدد صديقة لي بأني « بكفخج » (سأضربك) وتضحك لي عن طريق الواتس اب، ورويدا رويدا تتكون حولي دبي افتراضية. أطبخ البرياني لأول مرة في حياتي. أتسكع في الديرة أيام « الفرضة » مع قصص محمد سلطان العويس وأتساءل معه « لماذا يُمسح المكان من ذاكرة الزمان »، وأنتظر يوما « يديدا » أرجع فيه إلى إمارتي، حين يزول « التاج » الذي يهددها. ثم أقفل الهاتف الذي به أتواصل مع رعاياي هناك، وأمسح شاشته بالجيل المعقم وارتدي كمامتي استعدادا للنزول من أجل التسوق.

***

Voir en ligne : Pour plus de billets sur le COVID-19 dans la péninsule Arabique